المغرب والتطبيع: حسابات إفريقية في محيط عربي

المغرب- يونس مسكين

بعد مرور أكثر من عامين ونصف العام على توقيع الاتفاق الثلاثي، المغربي الأمريكي الإسرائيلي، والذي كان بمثابة تطبيع جديد في بين المملكة المغربية وإسرائيل، تعلن تل أبيب في تموز\ يوليو ٢٠٢٣ عن اعترافها بالسيادة المغربية في الصحراء الغربية. منذ توقيع الاتفاق الثلاثي المشار إليه، تبدو كل البيانات الرسمية الصادرة منذ نهايات ٢٠٢٠، سواء عن الديوان الملكي او وزارة الخارجية المغربية، حريصة على ربط كل الخطوات التطبيعية بعدم المساس بالمصالح الفلسطينية، أو التخلي عن المواقف المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، لدرجة بادر معها الملك محمد السادس إلى الاتصال برئيس السلطة الفلسطيني، محمود عباس، مباشرة بعد التوقيع على هذا الاتفاق المؤسس للمسار التطبيعي مع إسرائيل، بهدف طمأنته.

لذا يغدو طبيعيا أن يعيد الاعتراف الإسرائيلي بالسيادة المغربية على الصحراء  إلى ساحة النقاش التطبيع المغربي مع الكيان باعتباره حلقة إضافية في سلسلة التطبيع العربي منذ اتفاقات إبراهيم. وبهذا المعنى، يستمر البعد الفلسطيني-العربي مهيمنا على تلك القراءات التي تروم فهم وتفسير الطفرة التي عرفتها العلاقات المغربية الإسرائيلية تاريخيا، باعتبار القضية الفلسطينية ملفا مركزيا في النظام الإقليمي العربي.

كان المغرب قد قطع علاقاته الرسمية مع الكيان الصهيوني في أكتوبر من سنة 2000 تفاعلا مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية (استمرت بين سنتي 2000 و2005)، بعدما استقبل مكتب اتصال إسرائيلي سنة 1994 وافتتح مكتبه بالمقابل سنة 1996 بمبرر دعم الحوار والتفاهم بين الفلسطينيين والإسرائيليين. 

بطبيعة الحال، يجد هذا الحضور المهيمن للبعد العربي في تفسير التطبيع المغربي، كامل مشروعيته في كون قطع العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2000 جاء مبررا بـ”انتكاسة عملية السلام عقب الأعمال اللاإنسانية التي ترتكبها القوات الاسرائيلية منذ أسابيع في حق أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل واستخدامها الآلة الحربية لقتل المدنيين الأبرياء”، حسب بلاغ أصدرته حينها وزارة الخارجية المغربية.

لا جدال على كون أهمية البعد الفلسطيني-العربي في كل محاولة لفهم او تفسير التحول الجاري في العلاقات المغربية الإسرائيلية، ولا مجال للشك أو التردد في استحضاره. لكن النفاذ إلى عمق التطورات الحاصلة، ومحاولة الإمساك بمزيد من الخيوط المفسرة لما يجري، يستدعي استحضار بُعد آخر قد لا يقل أهمية هو العامل الإفريقي.

المغرب بين الوطن العربي وإفريقيا

صحيح أن المغرب ينتمي إلى جامعة الدول العربية، وحصول إسرائيل على موطئ قدم في بلد عربي لا يخلو من أهمية بالنسبة لدولة الاحتلال؛ لكنه أيضا دولة إفريقية جغرافيا وعضو في منظمة الاتحاد الإفريقي، وله قدرات خاصة في التأثير في عمق القارة السمراء، وهو ما يشكل مصدر إغراء للإسرائيليين، يضاهي إن لم يتجاوز قيمة التطبيع المغربي في الميزان العربي، خاصة وأن لهذا البعد أدلة ومؤشرات عديدة.

فالمغرب الذي ظل يدير ظهره (دبلوماسيا) لإفريقيا منذ انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية بداية الثمانينيات بسبب اعتراف هذه الأخيرة بمنظمة البوليساريو الساعية للانفصال في الصحراء الجنوبية للمملكة، كشف عن سياسة إفريقية واضحة في العقدين الماضيين، تجسدت في نشاط دبلوماسي مكثف واستثنائي للملك شخصيا، إلى جانب باقي الأذرع السياسية والاقتصادية، المعلنة والسرية، للمملكة. 

الحرص والتعطش اللذان أظهرتهما إسرائيل من أجل انتزاع قرار التطبيع من المغرب، يحمل على التفكير في هذا البعد الإفريقي أكثر مما يحمل على الاكتفاء بما يعرف ب”اتفاقات ابراهيم” الموقعة مع الإمارات والبحرين في ٢٠٢٠ كوسيلة للفهم والتفسير.

الحرص والتعطش اللذان أظهرتهما إسرائيل من أجل انتزاع قرار التطبيع من المغرب، يحمل على التفكير في هذا البعد الإفريقي أكثر مما يحمل على الاكتفاء بما يعرف ب”اتفاقات ابراهيم”

أهمية البعد الإفريقي للمغرب مقارنة بوزنه العربي بدأت تجليها مع “الانسحاب” العملي الذي اختاره المغرب من العمل العربي المشترك، سواء من خلال خفض مستوى تمثيل المملكة في القمم العربية المنعقدة منذ قرابة 18 عاما (قمة الجزائر 2005 شهدت آخر حضور شخصي للملك محمد السادس)، أو اكتفاء المملكة بالحد الأدنى من الحضور في ملف القضية الفلسطينية وحصر هذا الحضور في البعد الديني باعتبار صفة الملك المغربي كرئيس للجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي. 

جاءت هذه التطورات في سياق نزوع أوساط مغربية في بدايات عهد الملك محمد السادس لتقديم الوضع الداخلي على الخارجي، والتركيز على التنمية المحلية كأولوية على الانغماس المطلق في الصراع العربي الإسرائيلي. كان شعار “تازة قبل غزة” (تازة مدينة مغربية) الذي أطلقته بعض هذه الأوساط تكثيفا لذلك المزاج السياسي. 

إسرائيل بدورها، عبّرت في السنوات القليلة الماضية (منذ سبع سنوات على الأقل)، عن اعتزامها تغيير الوضع الحالي الذي يجعل إفريقيا مجالا معاديا لها ومنغلقا على مصالحها. 

العلاقات الإسرائيلية الإفريقية عاشت بالفعل عصرها الذهبي في عقد الستينيات قبل انقلاب الوضع مع حرب ١٩٧٣ بين العرب وإسرائيل والتي تبعها مبادرة جل الدول الإفريقي إلى قطع علاقاتها مع تل أبيب تضامنا مع مصر. لم تتحسن العلاقات الإسرائيلية الإفريقية إلا بعد توقيع اتفاقات أوسلو عام ١٩٩٣. اليوم تتمتع دولة الاحتلال الإسرائيلي بحضور دبلوماسي رسمي في أكثر من أربعين بلدا إفريقيا مع سفارات في نحو ١٥ منها. 

لكن السياسات الإسرائيلية الحالية، ترفع سقف الطموحات السياسية والاقتصادية في إفريقيا، باعتبارها مجالا مقبلا على نمو كبير في الفترة المقبلة، وتصرّ على تجاوز الحاجز العربي الذي يفصلها عن القارة السمراء، من خلال نقطتي ارتكاز أساسيتين، هما المغرب غربا والسودان شرقا.

ففي صيف العام ٢٠٢١، قدّم السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا أوراق اعتماده لدى مفوضية الاتحاد الافريقي بعد حصول بلاده على صفة عضو مراقب داخل المنظمة القارية وسط صمت غامض لجل الدول العربية. ولم يتأخر الإعلام الإسرائيلي عن ربط هذه الخطوة بتطبيع تل أبيب للعلاقات الدبلوماسية مع كل من المغرب والسودان.

خاض المحور الإفريقي الرافض للوجود الإسرائيلي داخل منظمة الاتحاد الإفريقي بقيادة كل من جنوب إفريقيا والجزائر، كعضو مراقب، جهدا كبيرا لعزل إسرائيل، وتعرض الوفد الرسمي لتل أبيب برئاسة شارون بارلي نائبة مدير دائرة أفريقيا في الخارجية الإسرائيلية، للطرد من قاعة الجلسة الرسمية لأشغال القمة الإفريقية التي انعقدت في فبراير/شباط 2023، مع تعليق عضوية الكيان في المنظمة إلى حين اتخاذ قرار جديد.

الطموح الإسرائيلي في إفريقيا

المرآة المثالية التي نستطيع من خلالها رؤية انعكاس الطموحات الإفريقية لإسرائيل، هي الصحافة ومراكز الدراسات الغربية، وخاصة منها الفرنسية، على اعتبار أن هذه الطموحات تمس أحد مجالات النفوذ التاريخية لباريس. 

ويمكننا أن ننتقي وسط كومة من التقارير والتحليلات التي تعج بها هذه الأوساط تقرير للمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI) المنشور في ٢٠٢٢ تحت عنوان: “إسرائيل تراهن على إفريقيا لتعزز قوتها دوليا”، حيث يتوقف معدوه بشكل خاص عند الاختراقين الإسرائيليين للمجال الأفريقي عبر كل من السودان والمغرب، كدليل على تنامي الطموحات تل أبيب في القارة السمراء. 

يؤدي التوجس الفرنسي التقليدي من محاولات القوى الدولية اختراق مجالات نفوذها إلى تقديم التقارب بين الرباط وتل أبيب كتهديد للاستقرار والتوازن العسكري في منطقتي المغرب العربي وغرب إفريقيا، على ما تقرأ صحيفة لوموند الفرنسية.

وفي شبه محاولة للطمأنة وتخفيف الهواجس الأوربية، وخاصة منها الفرنسية، احتضنت السفارة الإسرائيلية في العاصمة باريس في 31 ماي/أيار 2022 مؤتمرا حول “التحديات والفرص” التي تطرحها “عودة إسرائيل القوية إلى إفريقيا”، وذلك بمشاركة وزير خارجية دولة الاحتلال. كشف هذا اللقاء أن رهانات تل أبيب في إفريقيا تتجسد أساسا في النفاذ إلى أسواق تجارية، والحصول على منافذ اقتصادية جديدة، واستمالة الدول الإفريقية داخل بعض الهيئات والمنظمات الدولية، على رأسها منظمة الأمم المتحدة، وخاصة الجمعية العامة واللجان التابعة لها التي تصوت بشكل دائم لصالح الفلسطينيين، بالإضافة إلى تلميع وتحسين صورة إسرائيل في العالم.

كما كشف مؤتمر باريس عن محاور العمل الإسرائيلي المرتقب في إفريقيا، حيث تراهن تل أبيب على خبرتها وقدراتها التكنولوجية في مجالي الزراعة والتكنولوجيا، لانتزاع حصص من الأسواق الإفريقية المتعطشة للاستثمارات في هذين المجالين. كما تعرض إسرائيل بكثير من الثقة قدراتها الأمنية على الدول الإفريقية، سواء منها دول القرن الإفريقي، أو دول الساحل الواقعة على الحدود الجنوبية للدول العربية الواقعة في شمال القارة السمراء.

وبعد الطفرة الجديدة التي عرفها مسار التطبيع المغربي الإسرائيلي، في يوليو\ تموز ٢٠٢٣ حين اعترفت إسرائيل بسيادة المغرب على الصحراء، خرج إلى العلن تعاون تجاري كان يتم بشكل سري في السابق، بين عملاق الملاحة التجارية البحرية الإسرائيلي “زيم”، والمغرب. 

وبعد أن كانت المبادرة المغربية لمقاطعة إسرائيل (BDS المغرب) تخوض مظاهرات احتجاجية وتصدر بلاغات ضد الحالات التي يتكشف فيها النشاط السري للشركة الإسرائيلية في الموانئ المغربية، أصبح هذا النشاط علنيا بعد تطبيع العلاقات نهاية العام 2020.

وتولى رئيس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب، التي تشكل جزءا من الصحراء المغربية التي اعترفت إسرائيل بالسيادة الكاملة للمغرب عليها، ليبيّن حجم المصالح الاقتصادية التي سيتم تقاسمها بين المغرب وإسرائيل عبر جعل ميناء بحري ضخم يتم بناؤه في ساحل الصحراء منطلقا لحركة تجارية مع أسواق إفريقية كبرى. 

كلمة السر في هذا “البزنس” المشترك بين المغرب وإسرائيل في القارة الإفريقية، إلى جانب التكنولوجيا العسكرية-الأمنية التي تعرضها إسرائيل في الأسواق الدولية، هي الأنشطة التجارية المرتبطة بالزراعة، حيث تعتبر القارة الإفريقية حقلا شاسعا مدعوا لإطعام السكان المحليين ومعهم جزء من العالم  في ظل عجز الموارد الغذائية الحالية عن تلبية الطلب العالمي. هذا الحقل الإفريقي يحتاج إلى كميات هائلة من الأسمدة المغربية، إلى جانب تكنولوجيا إسرائيلة في مجال استصلاح الأراضي والسقي وتطوير البذور.

فالمغرب يعتبر بمثابة “بنك مركزي” عالمي في مجال الأسمدة، وواحدا من حراس الإمدادات الغذائية الضرورية لمستقبل البشرية إذ يعد رابع أكبر مُصدّري الأسمدة في العالم بعد روسيا والصين وكندا. وقد أعلنت مجموعة الأسمدة المغربية العملاقة (المكتب الشريف للفوسفات)، زيادة إنتاج الأسمدة لعام 2022 بنحو 10%؛ ما يضيف للسوق العالمية 1.2 مليون. وتكمن أهمية المغرب في هذا المجال في مخزونه الكبير من الفوسفات، المصدر الطبيعي لإنتاج الأسمدة، وقدراته وخبراته الكبيرة في هذا المجال، ما يجعله قادرا على تزويد الأسواق الإفريقية بحاجياتها المستقبلية من الأسمدة، ومواكبة التطور المنتظر في مجال الإنتاج الزراعي.

بفعل هذه العلاقة مع إسرائيل، تأمل الرباط بالمقابل، بالحصول على خدمات لوجيستية إسرائيلية لإيصال صادراتها خاصة منها السماد المستخلص من الفوسفات، إلى الأسواق الإفريقية الصاعدة. ومن جانبها ستحصل تل أبيب على منفذ تجاري كبير وشبكة علاقات وعدد كبير من فروع المؤسسات البنكية والمالية المغربية المنتشرة في أرجاء القارة،  إلى جانب تسويقها الخدمات المتقدمة في مجال البذور والسقي وتطوير المنتوجات الفلاحية. 

يبدو أن إسرائيل عادت إلى المغرب بعد عشرين عاما من القطيعة (في العلن على الأقل)، لكنها تقيم علاقاتها الجديدة مع المغرب الإفريقي، أكثر منه العربي.

بهذا المعنى، يبدو أن إسرائيل عادت إلى المغرب بعد عشرين عاما من القطيعة (في العلن على الأقل)، لكنها تقيم علاقاتها الجديدة مع المغرب الإفريقي، أكثر منه العربي.

الواضح أن البعد الإفريقي منح كلا من المغرب وإسرائيل، مجالا أقل تعقيدا وأكثر “ربحية” مقارنة بالسياق الإقليمي الذي يميّز الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 لمن يعرف المغرب ويعرف أولوياته، يدرك أهمية وحيوية ملف الصحراء، إذ كان استرجاع هذا الإقليم من يد الاستعمار الإسباني رهانا وجوديا بالنسبة للنظام الملكي. كما يعتبر تحقيق اختراق من حجم الاعترافين الأمريكي والإسرائيلي بسيادة المغرب على هذا الإقليم، تحوّلا كبيرا لم يحدث منذ أكثر من أربعة عقود، ظل خلالها الملف في منطقة رمادية داخل دواليب الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

بالمقابل، يعتبر التطبيع مع الرباط دخولا للقارة الإفريقية من باب واسع بالنسبة لإسرائيل، أكثر مما يمكن أن يعنيه هذا التطبيع في الرقعة السياسية العربية، على اعتبار أن المغرب بات يكتفي بالحد الأدنى من الحضور والتأثير في القضايا العربية، بما فيها القضية الفلسطينية، بدليل أن الملك محمد السادس لم يحضر أية قمة عربية منذ قمة الجزائر 2005. 

رغم صعوبة الترجيح بين مكاسب كل من الطرفين، فإن ميزان المخاطر والتهديدات المحتملة لهذا التطبيع، يجعل إسرائيل المستفيد الأكبر من هذا التطور، فهي لا تقدّم مقابلا جيواستراتيجيا كبيرا، بل إن اعترافها بمغربية الصحراء يمكن من الناحية النظرية سحبه أو التراجع عنه عند الضرورة، بينما يُدخل هذا التطبيع المغرب منطقة عالية المخاطر، حيث أصبح عنصر جذب لتهديدات دولية وإقليمية تلاحق الوجود الإسرائيلي، مثل التهديد الإيراني، إلى جانب جره إلى مربع التنافس االروسي الأميركي، فضلا عن التهديدات الأمنية التي تمثلها التنظيمات والحركات الدينية المسلحة.

يونس مسكن، صحفي، كاتب وباحث مغربي متخصص في علم السياسة، مدير نشر ورئيس تحرير سابق لجريدة “أخبار اليوم”، أستاذ زائر في المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، ومدرّب معتمد في الصحافة والتواصل. له عدة إصدارات منها ثلاث دلائل مهنية في مجال الصحافة”.

أميركياإسرائيلالتطبيعالمغربفلسطين