ما بعد فنزويلا: من الجمهورية الأميركية للإمبراطورية 

واشنطن- عماد الرواشدة

بمجرد أن دخلت القوات الخاصة الأميركية لفنزويلا، واختطفت رئيسها نيكولاس مادورو خلال نصف ساعة، انشغل العالم بما يقوله الرئيس الأميركي؛ على أن ما لقي اهتماما أقل هو ما تقوله قواعد الرئيس في نظام يعتمد التصويت آلية في تداول السلطة. كانت شريحة واسعة من حركة ماغا قد عارضت حرب إيران؛ لذا، ساد التصور أن إصرار الرئيس على التدخل العسكري في فنزويلا سيضعه في تناقض جديد مع خطابه السياسي الانعزالي في العلاقات الدولية الذي وصل البيت الأبيض بسببه. افترض كثيرون أن التحرك ضد فنزويلا سيدفع كثيرين داخل ماغا نحو التخلي عن ترمب بوصفه متماهيا في سياسته الخارجية مع المحافظين الجدد؛ تيار عارضوه بشراسة وعلى أطلال فشله في العراق وأفغانستان وليبيا بعثوا حركتهم المعروفة بماغا.

لكن كل ذلك، هو بالذات ما لم يحصل.

“لطالما كنت إمبرياليا أمريكيا.” يقول واحد من أبرز وجوه تيار ماغا، الإعلامي والناشط مايك كيرنوفيتش في تعليقه على غزو فنزويلا. كان المؤثر الجمهوري من أشد معارضي التدخل في إيران، لكنه اليوم من أشرس المبررين للتدخل في فنزويلا. يقول إن من ينعتونه بالقرب من المحافظين الجدد قي موقفه من كاراكاس لا يعرفون الفرق بين الأخيرين وحركة “لنجعل أميركا عظيمة مجددا” المعروفة اختصارا بماغا والتي يعد ترمب زعيمها السياسي اليوم. الفرق من وجهة نظره أن ماغا تعتبر ”أميركا أولا”، أما المحافظون الجدد فيمثلون “أميركا آخرا”. 

“هؤلاء [المحافظون الجدد يقصد] يريدون لشباننا خوض حروب لتسوية عداءاتهم الشخصية. أما الاستيلاء على البلدان الغنية بالموارد، وحكم الناس في ظل الأخلاق المسيحية، فهو واجبنا الأخلاقي.” 

وفق هذه القراءة اليمينية، ليس مهما ما يقوله القانون الدولي فالأخير وفق ما يرى كيرونوفيتش، “وضعي”، Made up، لا يحمل أي قداسة في مواجهة ما يعتقده الأفراد والدول صوابا، بل إن ما يراه هؤلاء يغدو مقدسا إذا ما استلهم دوافعه من مصدر ديني، حسب رؤيته.

“هل تعتقد بوجود أي سلطة على قرارتك على الساحة الدولية؟ هل هناك أي شيء يمكن أن يوقفك” تسأل صحيفة نيويورك تايمز الرئيس دونالد ترمب. “نعم، هناك شيء واحد” يقول ترمب، “أخلاقي الخاصة وتفكيري الخاص”. حين سألته الصحيفة إن كان القانون الدولي يشكل أحد الضوابط على سلوكه أجاب بأنه “لا يحتاجه”، “لا أريد إيذاء أي كان”. 

 على أن الأمر لا يتوقف على القانون الدولي وحده، فالتشريعات الأميركية هي الآخرى لا تحمل قيمة جوهرية في ذاتها طالما كانت السلطة التنفيذية تعمل للصالح العام، وفق رؤية تيار ماغا؛ إذ لا يعتقد هؤلاء بضرورة العودة للكونغرس قبل القيام بهذا النوع من العمليات العسكرية. بل إن وزير الخارجية ماركو روبيو لم يتردد بالدفاع عن تجاهل ترمب للسلطة التشريعية في طلب الإذن لتنفيذ العملية. بالعكس، من وجهة نظره، يرى روبيو أن التدخل في فنزويلا ليس من النوع الذي يمكن معه استئذان أو إخطار الكونغرس مسبقا “بالنظر لحساسيته”. 

على أن الأهم، ربما، هو ذلك التأطير الذي قدمه روبيو للهجوم بوصفه عملية شرطية/قضائية وليست عسكرية، جرت لاعتقال تاجرين للمخدرات (المقصود هنا مدورو وزوجته) واحتاج فيها رجال انفاد القانون لحماية القوة العسكرية لتأدية “واجبهم”. ووفق هذه التأطير، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تدخل حقبة معلنة تستعيض فيها بالقانون المحلي الأميركي عن الدولي لرسم وتنفيذ السياسة الخارجية نفسها؛ وهو تطور كبير على السلوك الأميركي في العلاقات الدولية يختلف تماما عما شهده العالم طوال العقود الماضية، حتى في عهد المحافظين الجدد. 

يكمن الفارق الجوهري بين سياسات المحافظين الجدد واليمين الجديد، إن جاز وصفه بذلك، في أن الأولين رسموا ونفذوا سياستهم الخارجية في العراق وأفغانستان وليبيا وغيرها عبر التوظيف الواعي للقانون الدولي، لثغراته وقصوره تحديدا، وعلى نحو دفعهم أحيانا لتزوير أو اختلاق الأدلة حرصا على التماشي الظاهري مع روحه على الأقل، كما حصل في التلاعب بالتقارير الاستخبارية عن أسلحة الدمار الشامل في العراق والتي أسست لغزوه. 

صحيح أن “الشرعة” الدولية لم تكن في الغالب في صف التدخلات الأميركية خصوصا خلال الحرب الباردة بسبب الفيتو السوفيتي، ولاحقا بعد بروز الصين وروسيا كلاعبين أساسيين، لكن واشنطن الراغبة بالتمسك بدور الشرطي العالمي وتفوقها الإمبراطوري كانت على الدوام حريصة على تقديم مبرر قانوني متماش ولو ظاهريا مع القانون الدولي وصورتها الليبرالية التي تسعى لتقديمها للعالم. 

لعل قناعة المحافظين الجدد بموت الإيديولوجيا وسيادة الليبرالية بوصفها الحتمية التاريخية الوحيدة التي ينبغي تعميمها على سائر الأمم صعبت عليهم تجاهل القانون الدولي ومؤسساته تماما خصوصا وهم ينادون بتعميم مقولات الحرية والعدالة، سيادة القانون وتقرير المصير على العالم أجمع. 

بالنسبة لتيار ترمب من اليمين الجديد، يختلف الأمر كليا؛ إذ ليس للأفكار الليبرالية أي قيمة في المجال الداخلي، دع عنك تعميمها خارجيا. الحقيقة أن صعود اليمين المتطرف الأميركي ككل جاء كرد فعل غاضب على هيمنة الأفكار الليبرالية المنعوتة ب”الصحوة” Wokeism على المجتمع الأمريكي ومؤسساته. ليس لدى أنصار ترمب أي دافع ولو شكلي لأخذ القانون الدولي بعين الاعتبار لدى رسم السياسة الخارجية، وحالة فنزويلا تعد تجربة عيانية لذلك، إذ جرى بالفعل سحب القوانين المحلية على الخارج لملاحقة وخطف رئيس دولة ذات سيادة و”إلقاء القبض عليه” و”جلبه للمثول” أمام المحاكم الأميركي وفق لائحة اتهام وضعها جهاز حكومي أميركي محلي هو دائرة مكافحة المخدرات. واليوم، بسرعة جرى ويجري سحب المنطق عينه على غرينلاند التي يقول ترمب إنه سيأخذها بالطرق “السهلة أو الصعبة” بالنظر لأهميتها، على ما يعلن، للأمن القومي الأميركي؛ رغم أن البلاد تخضع للسيادة الدنماركية وفق القانون الدولي. 

صحيح أن السياسات الإمبراطورية الأميركية كانت فجة وواضحة حيال الدول النامية، كما في إيران لدى إسقاط رئيس وزرائها محمد مصدق في خمسينات القرن الماضي، أو في تشيلي لدى دعم الانقلاب على رئيس الوزراء سيلفادور الليندي، لكن هذا السلوك الإمبراطوري لم يكن واضحا مع الحلفاء الغربيين واليابان، كما يعتقد بول كروغمان، الاقتصادي الأميركي الحائز على نوبل في مقال مخصص لنقاش مثل هذه التغيرات. 

يذكرنا كروغمان بأن الولايات المتحدة أرست دعائم النظام العالمي الذي نعيشه اليوم عبر إنشائها مؤسساته واتفاقاته الدولية، من منظمة التجارة، للبنك والصندوق الدوليين، وطبعا الأمم المتحدة، لكنها، على الأقل على الورق، حاولت دائما أن تغطي على حقيقة هيمنتها على ذلك النظام لتعطي شعورا للحلفاء الغربيين واليابان بأن النظام ليس سوى حاصل جمع أطراف متكافئة. 

“كان الجميع يدرك أن الولايات المتحدة هي المسيطرة فعلياً، لكننا بذلنا جهوداً مضنية لضمان أن تكون منظمة التجارة العالمية أو حلف شمال الأطلسي تحالفات متكافئة، على الأقل نظرياً. وقد كانت حيلة فعالة للغاية.” اليوم، يجادل كروغمان، يتخلى ترمب عن هؤلاء الحلفاء ويعتمد عقيدة في السياسة الخارجية تقوم على فكرة مفادها “دعهم يكرهوننا ما داموا يخشوننا”، وعليه يتصور أن بوسعه تحقيق رغباته في الساحة الدولية دون الحلفاء، وعبر التنمر حصرا. 

على أن هذه النظرة تبدو قاصرة، فالعالم، على ما يقترح الاقتصادي الأميركي، لا يخشى الولايات المتحدة، بل إنه لا يحتاجها أيضا؛ خصوصا والاقتصاد الصيني يتفوق على الأميركي في الحجم بنسبة ٣٠٪؜ بالاعتماد على القوة الشرائية.

من الجمهورية للإمبراطورية

في سائر تلك التحركات لا يعبأ تيار ماغا بما يقوله الداخل الأميركي شعبيا أو تشريعيا. وفق هذا الوعي الجديد نسبيا، انتقلت الولايات المتحدة على مستوى نظامها السياسي من حقبة الجمهورية، إلى حقبة الإمبراطورية، كما يلخص الأمر أحد أبرز مؤثري حركة ماغا وأقربهم لترمب، تكر كارلسون

“الانتقال من الجمهورية إلى الإمبراطورية تطور طبيعي في دورة حياة الحضارات،” يعلق كارلسون في إطار نقاشه لغزو فنزويلا. “لذا، نحن نعرف بشكل عام ما الذي يستتبعه ذلك. يستتبع أن مركز ثقل السلطة سينتقل من الكونغرس، من السلطة التشريعية، للسلطة التنفيذية، للرئيس، لقيصر، أو سمه ما شئت” يقول.

استحضار التجربة الرومانية كلما نوقش التاريخ الأميركي قديم قدم تاريخ نشأة البلاد الأولى، حين وصفها الرئيس المؤسس جورج واشنطن ب”الإمبراطورية في مرحلة الطفولة” Infant Empire. يتجلى الإسقاط الروماني على الواقع الأميركي في كل تفاصيل البنية السياسية تقريبا، من إطلاق التسميات على مؤسساتها مثل “الكابيتول” و “مجلس الشيوخ”، إلى توسع القوة العسكرية في الخارج حتى طرز البناء والتخطيط في العاصمة واشنطن نفسها.

“تتشابه الولايات المتحدة اليوم إلى حد كبير مع إمبراطوريات الماضي، لا سيما في قدرتها على بسط نفوذها العسكري والبحري في جميع أنحاء العالم” يقول المؤرخ وكبير الزملاء في معهد هوفر المحافظ التابع لجامعة ستانفورد نيل فيرغسون في إحدى مقابلاته. ” أعتقد أننا ينبغي علينا اليوم أن نكون أكثر تشككًا بشأن مفهوم النظام الدولي الليبرالي.” 

الانقسام الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين، يرى فيرغسون، مع تراجع هيبة المؤسسات يقودان إلى ما يشبه “الحرب الأهلية الكامنة”، والنزاع الأهلي، على ما هو معلوم، مثل أحد أهم العوامل التي عبدت الطريق  لتلاشي الجمهورية الرومانية وحلول النظام السياسي الإمبراطوري محلها. “أعتقد أن التاريخ لطالما كان ضد أي جمهورية تدوم 250 عامًا. لذا، فإن هذه الجمهورية الأمريكية في مراحلها الجمهورية المتأخرة، مع بوادر الإمبراطورية، هي أكثر ما يقلقني كأمريكي.”

لم تتوقف روما عن كونها إمبراطورية طوال عهدها. كانت السلطة الإمبراطورية في الخارج تعيش جنبا إلى جنب مع نظام سياسي جمهوري في الداخل يمتاز بالفصل بين السلطات ومحورية دور الشيوخ في إعانة الإمبراطور على صناعة القرار. لكن انزلاق البلاد نحو الحرب الأهلية وتنازع السلطة بين أقطابها السياسية والعسكرية، إلى جانب عوامل أخرى، انتهى بالبلاد في قبضة الحاكم القوي المتسلط والفردي يوليوس قيصر، وأغسطس من بعده وبحلول العام ٢٧ قبل الميلاد كانت النظام الجمهوري قد انتهى تماما لصالح حكم إمبراطوري في الداخل والخارج.

وبالمثل، تعايشت الولايات المتحدة مع مثل هذا الانفصام بين نظام ديمقراطي جمهوري “رشيد” في الداخل يعد الكونغرس سلطة موازية فيه للرئيس، وسلوك إمبراطوري في الخارج لا يقيم وزنا للحريات والقيم وحكم القانون إلا ظاهريا لأغراض الدعاية السياسية. وتماما كما حدث لروما، يبدو هذا الانفصام في طريقه للزوال؛ إذ يجري اليمين الجديد بقيادة ترمب اليوم عملية توطين او تبييء محلي واعية للأدوات الإمبراطورية؛ فينشر الجيش في شوارع البلاد، يصادر الحريات الجامعية، يتجاوز على الكونغرس وصلاحياته الدستورية والعرفية، بل ويتخطى حتى قرارات القضاء كما حصل مع تجاهله أحكاما تتعلق بترحيل المهاجرين من غير وثائق. 

في مؤلفه حول أسباب عظمة الرومان وانحدارهم، كان الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو قد أشار إلى دور العسكرة Militarism في إفساد الجمهوريات وتدمير الإمبراطوريات. منطق ينسحب على الولايات المتحدة أيضا على ما يرى جون كين، أستاذ السياسة في جامعة سيدني؛ ويذكرنا أن الولايات المتحدة، منذ تأسيسها، غزت أراضي دول أخرى ما يقرب من 400 مرة؛ ربعها منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.  كما شهدت البلاد عددًا لا يُحصى من الانقلابات المدبرة والاغتيالات التي قادتها وكالة المخابرات المركزية، وهو “أمر متوقع من إمبراطورية تفقد سيطرتها على العالم”. الأفول الإمبراطوري، كما يستشرفه كين، سيحدث ببطء ولكن بشكل مضطرد، وسيكون من الممكن ملاحظته في سلوك الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة.

“لأول مرة في تاريخ البشرية، سيحظى انهيار إمبراطورية بتغطية إعلامية غير مسبوقة.” يتوقع كين.  “فبفضل الولايات المتحدة، سيُبثّ تراجع أمريكا التدريجي إلى قوة عظمى فاشلة ومنهارة على الهواء مباشرةً للعالم أجمع. سيرى المشاهدون الكثير من التصريحات الفظة، والمفاجآت الغريبة، وحلقات من التوتر الشديد، واستعراضًا عامًا للغطرسة الأمريكية في الشؤون الدولية. سيكون التنمر الأمريكي الوجه الآخر لانعدام شعور الولايات المتحدة بالأمان Insecurity. سيتوقف الحديث عن “نظام قائم على القواعد” Rule-based order، وسيُقابل مجرد ذكر هذه العبارة بالسخرية في كل مكان. ستكون أولوية أميركا هي التوقف عن خوض معارك مع أعداء وهميين. ستُقلل من خسائرها، وتتخلى عن التزاماتها غير الضرورية، وتحافظ على أهم عناصر قوتها لأطول فترة ممكنة.”

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط