عماد الرواشدة
خلال الشهر الماضي المح الرئيس الاميركي الى إمكانية دعمه ترشح نائبه جي دي فانس للرئاسة في ٢٠٢٨، وهو التصريح الذي قد يحمل في طياته أبعد مما قد يبدو للعلن.
كلام الرئيس الاميركي جاء عقب تلويحه وفريقه الرئاسي في أكثر من مناسبة بإمكانية تبوئه منصب الرئاسة للمرة الثالثه في ٢٠٢٨. “سنجد طريقا لذلك” قال ترمب في لقاء مع شبكة أن بي سي الأميركية في نيسان أبريل الماضي. بل إنه كان ذهب أبعد من ذلك مخاطبا حشدا من أنصاره في ولاية لاس فيغاس في فبراير الماضي؛ ” يشرفني أن أخدم كرئيس لمرتين..أو لثلاث مرات، أو لأربع مرات”. ورغم أن تلك التصريحات المقتضبة تراوحت بين الهزل والجد، إلا أنها تسببت وما تزال بحالة من الهياج واللغط في أوساط الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السواء. الليبراليون يرون فيها بالونات اختبار وتكنيكات مجربة في عدة دول التف فيها الحكام على تداول السلطة في بلدان ديمقراطية؛ حتى وإن كانت هشة قياسا بالتجربة الأميركية المتجذرة. أما المحافظون فيبدو أن تلميحات الرئيس فتحت شهيتهم للسيطرة على السياسة في بلاد لطالما اعتبرت محكومة لقيم الحزب الديمقراطي التي حسمت الصراع الدموي على هوية البلاد خلال الحرب الأهلية.
يمكن إحالة مخاوف الأميركيين تلك على ما يعرف بمتلازمة أو أثر البطة العرجاء، إذ يواجه الرؤساء بقلق واضطراب انتهاء فتراتهم الرئاسية، فقدانهم للسلطة وانصراف اهتمام الجمهور عنهم نحو المسؤولين الجدد. ولتجنب ذلك، يقرر بعضهم في اللحظات الأخيرة استغلال ثغرات في دساتير بلدانهم وقوانينها تسمح لهم بالتفاف على المعيقات التشريعية والبقاء في المنصب لفترات قد تطول لمدى الحياة.
أمثلة ذلك كثيرة؛ في روسيا، كان فلاديمير بوتين شغل منصب الرئيس لفترتين بين ١٩٩٩-٢٠٠٨، قبل أن يدرك أن الدستور يمنعه الترشح لثالثة، فقرر التحول نحو منصب رئيس الوزراء، ذو الصلاحيات الشكلية، حتى ٢٠١٢. بذلك بات بوسعه العودة للرئاسة مرة أخرى ولفترتين جديدتين كان يفترض أن تنتهيا في ٢٠٢٤. لكن بوتين تنبه في ٢٠٢٠ واستبق الأمر بتعديل دستوري يتيح بقاءه لفترتين إضافيتين من ست سنوات لكل منهما؛ أي حتى العام ٢٠٣٦، وهو ما يعني استئثاره بالحكم لنحو ٣٦ عاما كاملة. في تركيا، حصل الأمر عينه تقريبا ولكن معكوسا. فبعد أن أنهى الحد الأقصى المسموح دستوريا لتولي منصب رئيس الوزراء ذو الدور المحوري في النظام السياسي لثلاث مرات متتالية من ٢٠٠٣-٢٠١٢، تحول زعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان نحو منصب الرئيس، ذو الصلاحيات الشكلية. لكن يبدو أن تأثير البطة العرجاء يعني فيما يعنيه صعوبة تقبل المسؤولين لمناصب وسلطات تقل عما كانوا يتمتعون به؛ إذ كان ذلك صعبا على بوتين، وهو ما يبدو أنه حصل مع إردوغان أيضا. بعد خروجه من رئاسة الحكومة، وللتغلب على محدودية السلطات الشكلية التي يمتلكها الرئيس وفق دستور ١٩٢٤، عمد أردوغان إلى تعديل دستوري يوسع صلاحياته على حساب تلك الممنوحة لرئيس الوزراء وليصبح تباعا الحاكم الفعلي للبلاد اليوم لفترة يصعب التكهن بحدودها.
تثير تلك التقاطعات خشية خصوم ترمب تحديدا؛ فالرئيس المعروف بازدرائه للقوانين والبروتوكول السياسي، لا يخفي إعجابه الشديد باردوغان وبوتين، إذ كان وصف الرئيس التركي ب”الذكي”، ولم يخف انبهاره خلال أكثر من لقاء صحفي بالطريقة التي يدير بها الروسي بلاده. زد على دلك، أن الأمر لا ينحصر بتصريحات مازحة عن الرغبة بالبقاء في المنصب؛ ففي نيسان أبريل من العام الماضي طرحت منظمة ترمب Trump Organization قبعة حملت اسمه وإلى جانبها الرقم ٢٠٢٨ للبيع على الإنترنت في إشارة لسعيه نحو رئاسة ثالثة. بل إن بعض أنصاره، وأبرزهم إيلون ماسك الذي انقلب عليه لاحقا، لم يترددوا بنشر صور لقبعات تحمل اسمه إلى جانب الرقم ٢٠٣٢ في تعبير عن رغبتهم بولاية رابعة أيضا. وفي أبريل من هذا العام، تبين أن محامي الرئيس ومستشاره الخارجي، بوريس ابستين، كان عكف بالفعل على دراسة خيارات تسمح لترمب بالعودة للرئاسة، وفق ما كشفته وول ستريت جورنال. زادت المخاوف جدية حين حاولت الصحفية أخذ رد من البيت الأبيض على تلك المعلومات، فلم ينف مستشار الاتصال مضمون التقرير واكتفى بالقول إن “من المبكر مناقشة الأمر”.
في سعيهم لمواجهة ذلك، تطرح وسائل الإعلام الليبرالية والخبراء في القانون الدستوري معضلة الدستور على ترمب، علها تؤدي لإطفاء حماسه واتباعه لتغيير شكل البلاد مرة واحدة وللأبد: ببساطة، الدستور الأميركي يمنع ترشح الرؤساء لولاية ثالثة.
رغم ذلك، وكما فكر بوتين وأردوغان بالسبل الكفيلة بتخطي تلك العقبة، ونجحوا إلى حد بعيد، يبدو ترمب وأنصاره وقد شرعوا بالبحث في بدائلهم الخاصة.
التفاف دستوري
يعد تحديد ولاية الرئيس الأميركي بدورتين اثنتين تعديلا حديثا في دستور البلاد لم تجر المصادقة عليه إلا بعد الحرب العالمية الثانية. فالرئيس فرانكلين روزفيلت كان بالفعل وصل لسدة الرئاسة أربع مرات متتالية من ١٩٣٣- ١٩٤٥ بعدها صادق الكونغرس على التعديل 22 والذي حدد المدة بدورتين فقط. يقول نص تلك المادة إنه “لا يجوز انتخاب أي شخص لمنصب الرئيس أكثر من مرتين”، وهو ما اعتبره الاميركيون، على نحو بديهي ربما، حكما قطعيا بعدم جواز التمديد.
لكن أنصار ترمب وخبراء الدستور المقربين منه يرون في تلك المادة بالذات فرصة للتمديد وليس العكس عبر عدة طرق أكثرها مباشرة هو إجراء تعديل دستوري يسمح ببقاء الرئيس في المنصب، وهو المقترح التشريعي الذي قدمه بالفعل النائب الجمهوري عن ولاية تينيسي اندي اوغلس تحت قبة الكونغرس في يناير كانون ثاني الماضي.
لكن هذا الخيار يصطدم بعدة عقبات يفرضها الدستور على تعديل مواده؛ إذ يشترط موافقة ثلثي كل من غرفتي الكونغرس، النواب والشيوخ، ثم مصادقة ثلاثة أرباع الولايات الخمسين، أي ٣٨ ولاية. بديهي أن واقع الانقسام الأيديولوجي الحاد في الولايات المتحدة اليوم بين الولايات وتحت قبة الكونغرس يجعل تأمين ترمب لهذا العدد من الأصوات متعذرا.
لكن أنصار ترمب في وسائل التواصل وعلى صفحات وسائل الإعلام التقليدي يجادلون بأن نص المادة ٢٢ تلك تتحدث حرفيا عن عدم جواز “انتخاب” الشخص لمنصب الرئاسة لثلاث مرات، وليس وصوله المنصب بحد ذاته. أي أن المنع يتعلق بترشح الشخص وانتخابه فقط. وعليه، قدم بعض مؤيدي ترمب مقاربة للاحتفاظ به سيدا للبيت الأبيض تفيد بإمكانية ترشح أحد أعضاء إدارته للمنصب على أن يترشح هو كنائب، ومن ثم يتنحى ذلك الشخص بعد الفوز ليحل ترمب مكانه. سيناريو يشبه إلى حد ما فعله اردوغان وبوتين، عبر قبولهما مناصب بصلاحيات هامشية مؤقتا ريثما تتسنى لهم العودة للمشهد والالتفاف على عقبات الدستور، مستفيدا من التعديل الخامس والعشرين من والذي ينص على تولي نائب الرئيس للحكم في حالة تنحي الرئيس بسبب الوفاة أو العجز عن أداء مهماته.
على أن مثل هذا السيناريو يواجه هو الآخر ببعض التعقيدات الجدية.
أولا الصعب بروتوكوليا على الرئيس الأميركي أن يخوض انتخابات كنائب للرئيس. وفي حالة ترمب، أن يخوضها كنائب لنائبه السابق. على أن المعروف عن ترمب عدم قابلية سلوكه السياسي للتوقع، خصوصا وهو الرئيس الذي لا يبدو مهتما بالالتزام بالعرف التشريعي واللياقة الرئاسية محليا ودوليا. ثانيا مم الصعب العثور على سبب وجيه قد يمنع جي دي فانس، في حال فاز كرئيس، من أداء مهامه بحيث يضطر للتنحي ليحل ترمب مكانه. ثالثا، وحتى إن أصر ترمب على الذهاب في الخيار، يجادل أساتذة القانون في جامعة نورث ايستيرن الأميركية، فسينتقل الخلاف حينها للمحكمة الدستورية التي ستبدو “خارجة عن القانون” إن سمحت بذلك. لكن هذا الرأي يعول في جوهره على قدرة القانون لجم رغبات ترمب، وهو الرئيس الذي لم يعر القضاء أي اهتمام حين رحَّل مئات المهاجرين الفنزولىيليين للسيلفادور رغم قرارات محكمة فيدرالية بعدم جواز الترحيل، في سابقة أدهشت وما تزال مؤيديه ومعارضيه على السواء.
أضف لكل ما سبق، أن التعديل الثاني عشر من الدستور ينص على أن الشخص “غير المؤهل دستوريًا لمنصب الرئيس” لا يجوز له أن يصبح نائبا للرئيس”، على أن الخلاف، كما يراه أنصار ترمب على الأقل، يدور أصلا حول ما إذا كان غير مؤهل لمنصب الرئيس بالفعل، أم أنه غير مؤهل للوصول للمنصب عبر الانتخاب فقط، كما يشير النص الحرفي للتعديل ٢٢.
مخاوف وتطمينات
في أغسطس الماضي، عاد ترمب ورجح احتمال عدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، فساد شعور عام بالارتياح في أوساط من يتملكهم القلق على مستقبل الديمقراطية الأميركية. لكن الرئيس الأميركي المتفرد في إدارته لسلطاته لم ينف الأمر. هل ستخوض الانتخابات المقبلة؟ سألته مذيعة أن بي سي الأميركي. “لا، على الأرجح لا، على الأرجح” رد ترمب ضاحكا.
لكن المشكلة أن المذيع سألته عن الانتخابات ولم تسأله عن رغبته البقاء في السلطة؛ فالسؤال الذي يفرض نفسه هو هل يفكر ترمب بالانتخابات أصلا كأداة للوصول للسلطة مجددا بعد انتهاء ولايته؟ لا، يقول جافن نيوسم، حاكم ولاية كاليفورنيا الديمقراطي المعادي بشدة لترمب. “هل تعتقدون حقا أنه يمزح حين يتحدث عن ولاية جديدة في ٢٠٢٨؟ (…) كيف يمكن لأي شخص أن ينفق ٢٠٠ مليون دولار على صالة احتفالات في بيته، ثم يغادره؟!”، يتساءل نيوسم وهو يشير إلى التحديثات التي يجريها الرئيس على البيت الأبيض.
ترمب بالفعل أطلق مشروعات هي الأضخم خلال قرن على الأقل داخل البيت الأبيض ذو ال٢٥٠ عاما، والذي ينظر له بوصفه بيتا للأمة. من طلاء سقف المكتب البيضاوي بالذهب، لملأ الجدران باللوحات وأبرزها لوحته بعد إزالة لوحة الرئيس السابق باراك أوباما، وضع ساريتين ضخمتين في محيط البيت الأبيض، تجديد دورات المياه، وصولا لقاعة الاحتفالات الضخمة التي ستكلفه ٢٠٠ مليون دولار قال ترمب إنه سيدفعها من جيبه الخاص وبمساعدة بعض المانحين. “طريقة جيدة لأنفق من أموالي على البلاد”، يعلق ترمب على بعض تلك المشروعات. فهل حقا سينفق مطور العقارات الملياردير أمواله على بيت قد يؤول إلى ساكن جديد من خصومه؟
لكثيرين في الحزب الديمقراطي وخارجه الإجابة ليست صعبة: ترمب باق، وتحركاته الداخلية تمثل ” سعيه التحول لديكتاتور” وفق وصف حاكم ولاية إلينوي التي سينشر ترمب الجيش قي شوارع مدينتها الأهم، شيكاغو، بزعم محاربة الجريمة رغم انخفاض نسبتها العام الماضي إلى ٣٠٪. على أن الأكثر إثارة للاهتمام في مثل هذا النقاش، هو حدوث النقاش نفسه، وحدوثه في أقدم النظم الديمقراطية في الغرب، وتحوله لموضوع صحفي لزيادة المبيعات والإعلانات، ومحض خلاف دستوري تقني. اليوم، يصل الأميركيون في إطار انقسامهم السياسي واستقطابهم الثقافي الحاد إلى نقطة يداورون ويقاربون فيها فكرة بقاء رئيسهم في منصبه عبر التفافه على الدستور وتجاهله للقضاء دون أن يملكوا خطة لمواجهة الأمر، بخلاف تعويلهم على قدرة أدوات الحكم الديمقراطي ومؤسساته في وقف زعيم يعتقدون أنه لا يرى في تداول السلطة سوى رافعة للاستيلاء عليها.