عماد الرواشدة
نهايات الشهر الماضي، فوجئ الرأي العام الأميركي والعالمي وانشغل بفوز الشاب المسلم المعارض لإسرائيل زهران ممداني بالانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي لخوض السباق نحو منصب عمدة مدينة نيويورك. فوز ممداني ظهَّر للعلن انقسامًا حادًا لحزب يبدو هشًا أكثر من أي وقت مضى، لكنه يحاول لملمة صفوفه بعد خسارة صادمة في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام اليمين.
وكأن الأزمات تظهر تباعًا، انتقلت هزّة نيويورك الانتخابية تلك لنورث كارولاينا؛ الولاية المتأرجحة والتي فاز بها الرئيس دونالد ترامب في آخر سباق للرئاسة. ما حصل أواخر الشهر الماضي أن قيادات في الحزب تقدمت بقرار داخلي يدعو لـ«فرض حظر فوري على كل المساعدات العسكرية وشحنات الأسلحة والدعم اللوجستي العسكري لإسرائيل»، ويطالب بمواصلة هذا الحظر حتى «تشهد منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان بأن إسرائيل لم تعد منخرطة في سياسة الفصل العنصري».
يمرّ هذا القرار بين ديمقراطيي تلك الولاية المحافظة بأغلبية بسيطة، ١٦١-١٥١ صوتًا، ويتحوّل من فوره لموضوع للجدل والخلاف بين تيارين يتنازعان الحزب اليوم: أحدهما يتوسع في أوساط الشبان تحديدًا ويميل بهم نحو ما يوصف بـ«أقصى اليسار» حيث الاعتراض الجذري على سياسات السوق، والمطالبة بمجانية التعليم والطبابة، ووقف الحروب الخارجية. أمّا التيار الآخر فتهيمن عليه أغلبية من كبار السن تؤمن بمحورية سياسات القطاع الخاص، والعداء مع الصين وروسيا، والتحالف شبه المقدس مع «إسرائيل» في الشرق الأوسط.
من فوره، انتقد التكتل اليهودي من ديمقراطي الولاية القرار محذرًا من نزوح الأعضاء نحو اليسار خشية إضعاف الحزب في مواجهة اليمين. جادل هؤلاء بأهمية التركيز على موضوعات الجندر والهجرة والتغير المناخي عوض انتقاد «إسرائيل»، وفق نص بيان للتكتل. الخشية التي يقدمونها يمكن تلخيصها كالتالي: تصاعد التوجه المعادي لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي سيغرّب الصوت اليهودي ويقرّبه من الجمهوريين الذين مالت كفتهم هم أيضًا نحو تيار داعم لسياسة اليمين الإسرائيلية، وهي خسارة صافية وفق ما يرون حتى لمؤيدي القضية الفلسطينية.
على أن الداعمين للتصويت، ومنهم يهود أيضًا، يرون العكس تمامًا. انتقاد الانحياز الأميركي لإسرائيل المدفوع بهول الإبادة في غزة ليس مجرّد ميل موسمي تصادف أنه شكل أغلبية بسيطة في تصويت للهيئة العليا للحزب، ولكنه رأس جبل الجليد لموقف عابر للأعراق يعتمل منذ سنوات داخل قواعد الديمقراطيين الفتية.
«في الطيف السياسي وفي الوسط اليهودي على السواء، نقد إسرائيل يعد من المحرمات» يخبرني مارك بوكيز، مدير الاتصال لمنظمة العدالة لليهود في نورث كارولاينا إحدى القوى الداعمة للقرار. «الرواية المؤيدة لإسرائيل هي ما اعتاد الحزب الديمقراطي عليه وما نراه اليوم هو تغير في هذه الديناميكية ولذلك تحديدًا يعد هذا القرار مهمًا جدًا، لأن هذه الرواية تتحطم الآن كموقف يعول عليه داخل الحزب الديمقراطي».
لكن الخروج على هذه الرواية (علنًا) لا يزال صعبا لكثيرين في عموم المجتمع الأميركي بمعزل عن المكانة الحزبية. حتى في الهيئة العليا للحزب، تغيّب عن التصويت 100 عضو على الأقل من أصل نحو 600، فضلًا عمن اعترضوا على الخطوة، وفق ريم سوبي، رئيسة التكتل العربي للحزب الديمقراطي في نورث كارولاينا وأحد مهندسي القرار. «من الأعضاء من قد يكون مقتنعًا بصحة المطلب لكنه يمتنع عن التصويت خوفًا من العواقب»، تقول في لقاء حول الأمر.
بكل الأحوال لا يُمثّل هذا النوع من التحرّكات مجرد تصويت معزول وضيّق في اللجنة العليا للحزب، بل هو ثمرة اشتغال متعدد المستويات يبدأ تصويتيًا على أصغر مستوى جغرافي، ابتداء من (precincts) أو ما يمكن وصفها بالأحياء، صعودًا للمقاطعات، التي يبلغ تعدادها نحو 100، ثم الدوائر، وانتهاء بعد نجاحه في كل تلك المراحل، باللجنة التنفيذية للحزب، والتي هي الأكبر في البلاد، والمكونة من نحو 600 عضو.
«هذا تحرك غير مسبوق» تقول سوبي، «على المستوى الوطني هذه أول ولاية يمرر حزبها الديمقراطي قرارًا لحظر الأسلحة الهجومية والدفاعية عن إسرائيل وليس فقط الهجومية». ترى الناشطة المسلمة أن القوة الدافعة وراء القرار ليست محصورة في الكتلة العربية للحزب، ولكنها تجمّع من طيف واسع من التكتلات على رأسها اليهودي والأميركيون السود واللاتينيون والتقدميون وغالبية هؤلاء من الشبان.
صحيح أن هذا القرار غير ملزم لأعضاء الحزب في نهاية المطاف، لكن إجرائيا، حين يصوت الأعضاء بالموافقة على مبادرة من هذا النوع، فيعني ذلك رفع مضمونها على منصة الحزب وتحوّلها لجزء من سياسته المعلنة في تلك الولاية. طبعًا بوسع المرشحين الديمقراطيين لأي انتخابات تجاهلها بوصفها غير ملزِمة وعدم تضمينها في برنامجهم الانتخابي حتى، لكن ذلك يعني تجاهلهم لقواعدهم التي صوتت بغالبيتها لصالح تلك السياسة. وهنا تحديدًا يكمن وزن هذا القرار في تسيير دفة الانتخابات والتأثير على برامج المرشحين وخطابهم والتزاماتهم لناخبيهم.
وعلى المدى القريب، تتضاعف أهمية هذا القرار إذا ما أدركنا محورية ولاية نورث كارولاينا في خريطة الانتخابات الأميركية.
الولايات المتأرجحة والموقف من «إسرائيل»
تعد هذه الولاية واحدة من بين سبع ولايات أخرى توصف بالمتأرجحة كانت قررت نتيجة السباق الرئاسي الأخير لصالح دونالد ترامب. اليوم، يحاول الديمقراطيون انتزاع مقعد الشيوخ من الجمهوريين في نورث كارولاينا خلال انتخابات الكونغرس المقررة بعد أقل من سنتين. لتحقيق ذلك سيحتاج الحزب لتقرير من يترشح لخوض هذا السباق. أهم الأسماء المتنافسة ويلي نيكل، نائب حالي في مجلس النواب ومن أشد المؤيدين لإسرائيل. وعقب قرار الحزب بحظر السلاح عن تل أبيب لم يتردد نيكيل في الإدانة. «قطع الأسلحة الدفاعية عن إسرائيل سيكون بمثابة حكم بالإعدام على آلاف الأشخاص»، واصفًا الخطوة بـ«المتطرفة».
وفي ظل تصاعد الخطاب المعادي للصهيونية في أوساط الديمقراطيين، قد تتحول انتخاباتهم الداخلية لترشيح نيكل، إلى تصويت مفتوح على الموقف من «إسرائيل» تحديدًا.
على أن الأمر ليس محصورًا في هذه الولاية المحافظة؛ ففي أخرى، متأرجحة أيضًا ولا تقل أهمية في الغرب الأوسط هي ويسكنسون، صوّت أعضاء الحزب على قرار مشابه تقريبًا يدعو «لتقييد» شحنات السلاح الهجومية لإسرائيل وربطها بالتزام الأخيرة بقواعد القانون الدولي في الحرب. القرار مرر بأغلبية كاسحة، 236-30 صوتًا. وفي واشنطن، أقصى غرب البلاد، مرر أعضاء الحزب العام الماضي موقفا مماثلا يقضي بـ«وقف» التصدير العسكري لإسرائيل حتى تقبل بوقف إطلاق النار في غزة.
الخوف الذي تثيره مثل تلك التطورات داخل الحزب الديمقراطي انتخابي صرف؛ فالتيار المعارض لإسرائيل يمثل انقلابًا على ثابت من ثوابت الحزب والسياسة الخارجية الأميركية عمومًا. الأهم، أن تنامي ذلك التيار قد يعني أن على الديمقراطيين إعادة إنتاج طبقتهم السياسية بأكملها وتقديم مرشحين يناسبون المزاج السياسي لقواعدهم في كل ولاية، وخصوصًا في فئة الشبان.
لكن ليس الأمر بهذه السهولة طبعًا؛ فتغيير خطاب الحزب على هذا النحو يهدد بخسارة جزء من الصوت اليهودي الديمقراطي المؤيد لإسرائيل. وقد يؤدي أيضًا لانصراف طبقة البيض الصهيونية أو المعارضة لخطاب اليسار عن الحزب والميل بولائها نحو الجمهوريين.
وحتى لو قرر الحزب تجاهل مطالب المؤيدين للقضية الفلسطينية داخل صفوفه، فسيواجه أزمة لا تقل تعقيدًا؛ فمن جرى تجاهلهم، قد يمتنعون عن الاقتراع في الانتخابات احتجاجًا، كما حصل في انتخابات هيلاري كلينتون 2016، أو ينشقون نحو مرشح مستقل، كما حصل مع حزب الخضر المؤيد للفلسطينيين بقيادة جيل ستاين في آخر انتخابات رئاسية.
خطورة مثل هذه السيناريوهات تكمن في طبيعة حسابات الانتخابات الأميركية التي تخبرنا أن المعارضة داخل أي من الحزبين الحاكمين (الديمقراطي والجمهوري) إن قررت حجب صوتها أو التصويت لمرشح ثالث، فسينتهي الأمر غالبا لصالح الحزب الخصم. هذا بالضبط ما حصل في ولاية ميشيغان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة حين جرى تجاهل مطالب المعارضة بوقف إطلاق النار في غزة، ما دفعها لحجب أصواتها عن مرشحة الحزب كاميلا هاريس، لينتهي الأمر لصالح ترامب.
لكن مؤيدي مثل هذه التحركات لا يتفقون مع كل تلك المخاوف؛ ففي الانتخابات الرئاسية الأخيرة لم يُدلِ ثلث الناخبين بأصواتهم. بالتالي إن حصل انزياح داخل الحزب الديمقراطي، ليس فقط بخصوص «إسرائيل» وغزة ولكن أيضًا في ملفات أخرى، فسيسهم ذلك بتشجيع تلك الفئة على التصويت، تخبرني ليزلي كاري القيادية في الحزب الديمقراطي في نورث كارولاينا.
«في حال تحققت مثل هذه الانزياحات في الحزب الديمقراطي، فسيجعل الأخير من نفسه انعكاسًا لما يريده الناس، خصوصًا الشبان»، تقول كاري التي ترأس لجنة للحزب في مقاطعة هاندرسون المهمة في كارولاينا بالإضافة لترؤسها أيضا تكتلًا لليهود الديمقراطيين هناك. «ثمّة مشرعون من الداعمين لفلسطين أو لوقف إطلاق النار ورغم ذلك يواصلون نجاحهم في الانتخابات»، وهو مؤشر على أن تغيير الخطاب الديمقراطي لا يخيف القواعد او يبتعد بها عن الحزب.
مزاج متغير
تقدم آخر استطلاعات الرأي حول موقف الأميركيين من «إسرائيل» مرجعًا لطبيعة التغييرات داخل الحزب الديمقراطي وعموم البلاد. نحو ٥٣٪ من البالغين الأميركيين باتوا يحملون وجهات نظر «ليست محابية لإسرائيل» صعودًا من ٤٢٪ قبل السابع من أكتوبر وفق مسح مركز بيو للأبحاث قبل شهرين. أما النسبة في أوساط الديمقراطيين تحديدًا فأعلى بكثير إذ تصل إلى 69٪ مقابل 37٪ للجمهوريين.
«الدفء في النظرة لإسرائيل انخفض في أوساط الحزبيين عمومًا» يقول مجلس شيكاغو للشؤون الدولية وهو جهة بحثية معروفة في استطلاعات الرأي العام، «لكن الانخفاض في أوساط الديمقراطيين أكبر بكثير». يُجري هذا المركز مسوحًا حول الرأي العام الأميركي و«إسرائيل» منذ عقود ويقول إن آخرها أظهر تراجعًا في النظرة الإيجابية لتل أبيب في أوساط الديمقراطيين هو الأكبر منذ أن بدأ تنفيذ هذه الاستطلاعات.
وإن كانت كل هذه المؤشرات غير طافية على السطح الآن، إلا أن المراقبين سيبدأون تلمس آثارها ومفاعيل التململ من «إسرائيل» خلال المواسم الانتخابية المقبلة؛ انتخابات عمدة نيويورك مثلًا في تشرين ثاني المقبل، أو الانتخابات الداخلية للأحزاب التي تمهد للسباق نحو الكونغرس بعد أقل من عامين.
مثال ذلك ميشيغان التي ينوي ممثلها الديمقراطي في مجلس الشيوخ التقاعد، ليفتح الباب أمام سباق حزبي داخلي لتحديد خليفته. ومرّة أخرى، يبدو أن الموقف من «إسرائيل» سيكون في قلب الجدل الانتخابي، فمن بين المرشحين لخلافته قطبان متناقضان؛ النائبة هالي ستيفنز، المدافعة عن «إسرائيل» منذ فترة طويلة، وعبدول السيد، الذي وصف الحرب على غزة بالإبادة الجماعية.
تحوّلات عابرة للأحزاب
بعد صدور قرار الحزب الديمقراطي في نورث كارولاينا، هرع الجمهوريون للاستثمار السياسي في اللحظة محاولين المزاودة في إظهار التزامهم السياسي تجاه تل أبيب. «يواصل اليسار المتطرف قيادة سياسات مضللة معادية لإسرائيل وأميركا» يقول مات ميرسر، المتحدث باسم الحزب الجمهوري في الولاية. لكن ما لا يلتفت له ميرسر، أن حزبه بالذات يمر بمنعطف مشابه لذلك الذي يمر به الديمقراطيون فيما يتعلق بإسرائيل.
بالفعل، مع استعداد ترمب لقصف إيران، خرجت عشرات الأصوات المؤثرة في تجمع ما يسمى «MAGA»، والذي يتزعمه ترمب، مطالبة بإعادة النظر في العلاقة مع تل أبيب، وعدم السماح لبنيامين نتنياهو بجر الولايات المتحدة لحرب ليس لهم فيها أي مصلحة مباشرة. «تخلَّ عن إسرائيل» يطالب تاكر كارلسون أحد أهم حلفاء ترمب في تيار أقصى اليمين ردًا على محاولات نتنياهو إقناع البيت الأبيض بقصف طهران.
لكن الأمر ليس محصورًا في كارلسون، وهو شخصية إعلامية تحظى بشعبية واسعة لا تقل عن تلك التي يتمتع بها الرئيس نفسه. ستيف بانون، الاستراتيجي السابق لإدارة ترامب وأحد أهم رموز حركة «ماغا» هو الآخر لم يتردد في نقده لطبيعة العلاقة الإسرائيلية الأميركية التي يصفها بعلاقة الحماية. «لقد جرّونا إلى حربٍ كانوا يعلمون أنهم لا يستطيعون الدفناع عنها. لذا، هذه هي مشكلتي. علينا إعادة ضبط الأمور. ليس لدينا تحالف معهم، تمامًا مثل أوكرانيا. علينا أن نتوقف عن وصفهم بأنهم حلفاء، ليسوا حلفاء»، يقول بانون لمجلة نيوز ويك المحافظة على خلفية الجدل حول ضرب إيران.
عشرات آخرون في مراكز أبحاث ومؤثرون على وسائل التواصل من ذوي الشعبية الواسعة في أوساط اليمين شككوا في جدوى التحالف مع تل أبيب. اللحظة التي يمرّ بها اليمين، بهذا المعنى، هي ذاتها التي مرّ ويمر بها الديمقراطيون؛ لحظة مساءلة البديهيات في السياسة الخارجية التي درج الأميركيون على الإيمان بها دون كثير من التأمل أو الشك. مثلًا، التساؤل عن سبب تواجد أساطيل البلاد في كل بحار ومحيطات العالم، أو توزّع أفراد الجيش الأميركي على أكثر من مائة دولة حول الكوكب، وطبعًا محاكمة تاريخ طويل دامٍ من الانقلابات السرية، والتصفيات، والحروب والدعم للحركات الانفصالية، فضلًا عن العداء مع عشرات الدول حول العالم من الصين حتى المتوسط.
«ماغا تنقلب على نفسها» يلخص عنوان مجلة الأتلانتيك الأمر في مقال ركزت فيه على انقسام الموقف اليميني من «إسرائيل».
ولئن كان الحال كذلك في أوساط الحزبين الحاكمين بعد أقل من عام على انتخاب رئيس جديد للبلاد، فإن المواسم الانتخابية المقبلة ستكون من بين أكثر المواسم إثارة للاهتمام، إذ سيجري فيها حصاد نتائج السياسات والمواقف والوعود التي جرى أو لم يجر الوفاء بها خلال الحقبة الماضية من كلا الحزبين. نمط بات ملاحظًا لدى كل انتخابات أميركية منذ عام 2016 على الأقل، وهو تاريخ صعود تياريْ أقصى اليمين وأقصى اليسار إلى واجهة السياسة الأميركية؛ لتدخل البلاد مذاك مرحلة جديدة من الانزياح الأيديولوجي قد تؤثر، رغم بطئها، في شكل علاقة الولايات المتحدة مع «إسرائيل» وربما بقية العالم.